عثمان بن جني ( ابن جني )
52
الخصائص
وبين حال الآلهة الباطلة المزعومة من حيث العجز عن تقديم أي نوع من الهداية لشركائهم قل أم كثر ، طال طريقه أم قصر ، ولذا جاءت الآية بهذا الأسلوب الاستفهامى الإنكارى : هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ؟ ويأتي المد في ياء يهدى ليوحى بطول طريق الهداية لدى هؤلاء الشركاء لو هدوا ، وتتضافر دلالة المد هنا وهي دلالة صوتية مع الدلالة المعجمية لكلمة ( إلى ) التي تفيد بعد المسافة ، فكأن اللّه تعالى يقول لهم : هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ولو بطريق طويل بعيد ؟ ! ويأتي الجواب في صورة التحدي الذي لا يحتمل الموازنة والمقارنة : قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ وهنا تأتى الدلالة الصوتية ممثلة في ترك المد في ياء يهدى إيحاء بقصر مسافة الهداية بالنسبة للّه تعالى ، فهو يهدى إلى طريق مستقيم ، والطريق المستقيم هو أقصر الطرق المؤدية إلى الحق . وتتضافر تلك الدلالة الصوتية مع الدلالة المعجمية لحرف اللام الذي يفيد قرب المسافة ولصوقها ، فهدايته سبحانه تقربك للحق وتلصقك به من أقرب الطرق وأقصرها . ثم يأتي الاستفهام التوبيخى : أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ وهنا يأتي المد في الهداية المنسوبة إلى الحق سبحانه ، ليصبح المعنى : أفمن يهدى إلى الحق ولو بطريق طويل - ( مع أن طريق هدايته أقصر الطرق ، ولكن كأنه يعبر عن طوله في نظر المعرضين ) - أحق أن يتبع أم من لا تكون منه الهداية أصلا ولو ببطء شديد وتراخ إلى الأبد ؟ ! . وهنا يأتي العدول الصوتي في كلمة ( يهدى ) التي لا نظير لها في السياق القرآني كله لتعبر بذلك التشكيل الصوتي ، وتلك الطريقة النطقية عن البطء الشديد في الهداية يستفاد ذلك البطء من كسر الهاء التي تأتى من أقصى الحلق ليصطدم الصوت بالدال الأسنانية المشددة المكسورة التي يظل الصوت حبيسا عندها لتضعيفها ثم يتمادى به في الهوى مع الياء الممدودة مدا طويلا ، لوجود سبب المد بعده وهو همزة إلا ، ليوحى ذلك المد بطول طريق الهداية مع بطئها الشديد كذلك . ثم يزداد عجبك بعد ذلك إذا تأملت أن تلك الهداية مع بطئها وطولها الشديد وتراخيها الأبدي منفية كذلك على كل حال ، فهؤلاء الشركاء لا يهدون أبدا بحال من الأحوال ؛ إلا أن يهدوا ، ولا تكون الهداية إلا من اللّه تعالى ، فهم لا يهدون أصلا من